رائج
محتجين أمام القيادة العامة للقوات المسلحة / الغارديان

الغارديان: الأمل في السودان يمثل تهديداً للطغاة السعوديين

كتبت الصحفية البريطانية السودانية الأصل نسرين مالك بعمودها في صحيفة الغارديان البريطانية:

اهتمام السعودية المفاجئ بالسودان لا يتعلق بالصداقة. لكن بالخوف. في انتفاضة السودان ضد عمر البشير، ترى العائلة المالكة السعودية حتفها.

في الأيام التي أعقبت حرب يوم الغفران، وموافقة الرئيس المصري أنور السادات على وقف إطلاق النار ولاحقا إبرام معاهدة سلام مع إسرائيل، واجه أسئلة في الداخل شكلت له تهديدا مباشرا.

عندما أصبح السادات بلا خيار غير الاستسلام ، قال إنه مستعد ليحارب إسرائيل ولكن ليس أمريكا. في اليوم الثالث من الحرب، كان الرئيس نيكسون قد وافق علي عملية “نيكل قراص” ، وهي جسر جوي عسكري أمريكي غرضه تحديد الخسائر العسكرية لإسرائيل حتى تلك المرحلة.

وفي نوفمبر من عام 1973 ، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن “السفراء الغربيين في القاهرة أكدوا الاتهامات المصرية بأن طائرات أمريكية هبطت بمعدات حرب في صحراء سيناء”.

نسرين مالك في استضافة مع قناة BBC

وواصلت نسرين مالك في القول:

لعل السعودية قد أرادت اتباع شيء من السياسة الواقعية للسادات. فقد ظهر ذلك جليا خلال الأسابيع القليلة الماضية، إذ أبانت السعودية بوضوح عن عدم رغبتها للسماح لثورة السودان أن تحقق اهدافها النهائية في إزاحة الجيش كليا وتأسيس حكم مدني.

في الفترة التي سبقت الثورة، كانت السعودية في حالة أشبه بنصف إغماءه، وهي تري الدولة التي تريدها فقط لتصدير العمالة المدربة وأخيراً تزويدها بجثث كعلف في حربها في اليمن، تنتفض مثل مارد جبار.

قبل الثورة، عندما تملك عمر البشير الخوف من زوال سلطته، أخذ صحن التسول وجال بين حلفائه في المنطقة. لكن السعودية أشاحت عنه وردته، كأن اهتمامها به قد تبخر فجأة. كانت تلك هي اللحظة التي أصبح من الواضح أن هناك قوة حقيقية في شوارع السودان. وتم عزل البشير.

لقد ولت منذ زمن طويل الأيام التي كانت فيها الولايات المتحدة هي الوسيط الرئيسي في المنطقة. تحاول السعودية الآن أن تجعل من نفسها قوة إقليمية قوية في خضم الأوضاع القائمة.

ولت الأيام التي كانت فيها السعودية مجرد مكان لتحويل الأموال إلى المدارس والجماعات الدينية حول العالم العربي وفي جنوب آسيا. إنها تسعي الآن للاضطلاع بدور أكثر جرأة: إحباط عمليات التغيير السياسي في المنطقة ، كلما أمكن ذلك.

في غضون أيام من إزالة البشير ، تسارعت حركة المال السعودي. إلى جانب الإمارات، تعهدت بتقديم حزمة مساعدات مالية بقيمة 3 مليارات دولار لدعم الاقتصاد السوداني وبالتالي الحكومة العسكرية الانتقالية.

رافق ذلك ظاهرة غير مسبوقة و مثيره لقلق كثير من السودانيين، وهي انطلاق حملة إعلامية موجهه من قناة العربية والحدث (السعوديتين) ووسائل إعلام اخرى سعودية أو خاضعة لنفوذ السعوديين المالي.

فقد عرضت صحيفة (جلف نيوز) الإماراتية صورة كبيره لرئيس المجلس العسكري الانتقالي، البرهان، قائلة إنه “أثناء الحرب في جنوب السودان ومنطقة دارفور، عمل في مناصب مهمة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أخلاقه المدنية وسلوكه المهني”.

غير أن “المدنية” و “السلوك المهني” لم تكن هي العبارات التي يستخدمها كثيرون لوصف الحروب المأساوية في دارفور وجنوب البلاد.

بدأت افتتاحية الصحيفة بتكريم متهافت للسودان باعتباره “واحداً من أكثر دول إفريقيا والعالم العربي أهمية إستراتيجية” ، كما لو أن السعوديين قد أدركوا الان فقط حقيقة أن السودان لم يعد ذلك البلد الطيب، المتسول و المتخلف كما أرادوه دائما.

حاول أحد كبار الوزراء في حكومة الإمارات الأسبوع الماضي التعبير بشكل مفاجيء عن الاهتمام والفرح تجاه ثورة السودان، في إجراء احترازي حكيم بتعظٍ بتجربة اضطرابات الربيع العربي.

وقال: “لقد شهدنا فوضى شاملة في المنطقة، و من الطبيعي أننا لا نحتاج إلى المزيد منها”. لكن هذه المودة التي اكتشفت حديثا تجاه السودان (الاستراتيجي جدًا) وتجاه قادته العسكريين الجدد، ترتبط أكثر بشعور متزايد بالخوف لدي العائلة المالكة في السعودية حول مصيرها، أكثر من الحفاظ على الاستقرار في السودان.

خطر الثورة السودانية يكمن في كمية الوعي الذي تدفع به  وفي الاحتمالات الكثيره التي تطرحها. لقد تعود السعوديون على توسيع قوتهم الناعمة في جميع أنحاء العالم لتكوين التحالفات ضد الأعداء الإقليميين مثل إيران أو قطر، لكن يمكن الآن رؤية مصير مغامراتها السياسة الخارجية العدوانية في ضوء خوفها الوحيد: تغيير الأنظمة.

وعلى الرغم من متاعبها الاقتصادية في الداخل ، لا تزال الحكومة السعودية ترى أن حشد ثروتها السيادية الضخمة يظل أمرا ضروريا لابقاءها كدولة علي قيد الحياة.

مما يبدو أن العائلة المالكة السعودية تحتكر السلطة بشكل تام، مع سعيها لتصفية المعارضين داخل السعودية أو حتى في الأراضي الأجنبية ، لكن السودان يثبت أن تغيير النظام لا يتطلب تقنيات خاصة.

لا يتعلق الأمر أبداً بالقوة العسكرية التي يمكن أن تقدم للمعارضة: لكنها تتعلق بإرادة الشعب. لا يمكنك إعدام جميع الشعب.

كانت إخفاقات الربيع العربي بمثابة نعمة لأنظمة مستقره طويلا في الشرق الأوسط. أنظمة تتوجس من التغيير ولا تنظر إليه بنية طيبة.

هكذا تقول الحكمة الإقليمية التقليدية لفترة طويلة. السودان الآن يعبث بالرواية التي تقول إن الجيش والأسر المالكة هما المؤسستان الوحيدتان اللتان يمكن السماح لهما بممارسة الحكم.

تقول الرواية: عندما يدخل المدنيون في المعركة يجلبون معهم الثغرات الأمنية والإرهاب وعدم الكفاءة. لكن المنطق يقول إن الحكم المدني يجلب معه كذلك بعض (المضايقات): الديمقراطية الحقيقية والمساءلة وحرية التعبير.

تريد السعودية أن تمنع ذلك، بدعوى السعي لتحقيق استقرارها، خاصة مع انحسار الدعم الأمريكي لضمان أمنها.

يستطيع الثوار السودانيون، بكل حزم، مواجهة المجلس العسكري الانتقالي والمطالبة بالحكم المدني، و هم قادرون علي شن حربهم ضد البشير وبقايا عناصره الذين ما زالوا في السلطة.

ولكن كيف يمكنهم مواجهة السعودية وحلفائها الأقوياء في المنطقة، الذين يقدمون الدعم للجيش و المجلس العسكري؟

إن الثورة السودانية تتحمل الآن عبئا أثقل – لكن الجائزة الكبري ستكون إذا نجح السودانيون، في هز عروش الطغاة والمستبدين في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

نسرين مالك / كاتبة مقال في صحيفة (الغارديان) بريطانية سودانية ولدت في السودان

تنويه: المقال أعلاه يعبر عن رأي كاتبه ولايمثل رأي الموقع.

المصدر: الغارديان

اترك رد

X
X