رائج
التجاني السيوفي

التجاني السيوفي يحلق من قبره

ربما يجهل غالبية أهل السودان التجربة العظيمة التي قدمها الفنان التجاني السيوفي أول مَن قدَّم فاصلاً غنائياً حياً في استوديو الإذاعة صبيحة افتتاحها ١٩٤٠م.

ولولا الرسائل التي كانت تحلق بين الصديق الوفي للسيوفي والكاتب الصحفي معاوية حسن يس صاحب كتاب (من تاريخ الغناء والموسيقى في السودان) لضاعت سيرة هذا الفنان العظيم وانمحت من ذاكرة الغناء السوداني.

أنجب حي الركابية بأمدرمان في العام ١٩٢٤م الفنان التجاني السيوفي، وهو شقيق زوجة عازف الكمان سعد أحمد عمر (nفتحية السيوفي )، وكان والده حلاقاً معروفاً في المحطة الوسطى، وماهراً أيضاً في ختان البنين، وله أخ غير شقيق هو عبد اللطيف السيوفي الذي شغل مناصب مصرفية رفيعة في السودان.

والذي لا يعرف كثيرٌ من الناس أن أغنية (الندامى) التي تغنى بها الخير عثمان ومصطفى سيد أحمد وكمال ترباس هي من الأغنيات الخالدة للسيوفي التي أبدعها لحنا وغناءً.

وتُنسب أغنية (الندامى) رسمياً للشاعر المحامي حسن دراوي، ويُقال إنها من نظم الشاعر الهادي العمرابي، بينما شاع في يومنا هذا أنها من كلمات الراحل محمد عثمان عبد الرحيم صاحب نشيد (أنا سوداني) الذي تغنى به العطبراوي، وهذا كله يدل على عظمة الأغنية التي تقول في مطلعها:

أدر الكأسَ على العشاقِ صفواً ومُداما
يا حبيبَ القلبِ والروحِ .. ويا روحَ النَدامَى

لُقب ب(إكسبريس الأربعينات) لأنه كان ملحناً لا تستعصى عليه قصيدة تلحينها حتى ولو كانت نشرة أخبار، مضافًا إلى ذلك أنه بارعٌ أيضاً في صناعة العود نفسه.

وقصة تلحين أغنية الندامى كانت بعد فوز القصيدة في مسابقة الإذاعة ١٩٤٣م بالمرتبة الأولى ، غير أن المطربين لم يولوها اهتماما مما دعا نائب مدير الإذاعة حسين طه زكي إلى الاستعانة بالسيوفي بتلحينها وحفزه بمكافأة قدرها عشرة جنيهات، فقدمها السيوفي في التالي في حفلة مذاعة على الهواء مباشرة.

وكتب الشاعر إسماعيل خورشيد في مذكراته أنّه كان معجبا بالسيوفي، وحين كتب أغنيته (عايز أنسى آلامي) وكان يعمل في سوق أمدرمان مع رجل كان مقربا من السيوفي أخذ منه الأغنية وأعطاها للسيوفي الذي لحنها وتغنى بها في الإذاعة بعد يومين.

تنقل السيوفي بين دول القرن الإفريقي حتى صار مشهورا في أسمرا وأديس أبابا وجيبوتي وعدن، في هجرة طويلة ما عاد منها، وله أغنيات بلغات الأمهرا والتيغراي.

بالرغم من هذه الرحلة الطويلة أورد معاوية حسن يس في موسوعته أن السيوفي كان وفيا لأصدقائه الفنانين الذين تركهم في السودان، وهو الذي تكفل ببناء مقبرة عميد الفن السوداني الحاج محمد أحمد سرور الذي دفن في العاصمة الإريترية أسمرا.

سبب هجرة السيوفي النهائية !

تتضارب الأقوال في هذا الأمر تضارباً كبيرًا، فالشاعر إسماعيل خورشيد بحسب ما أورد معاوية حسن في موسوعته ذكر أن السيوفي أخبره أنه يريد الذهاب إلى أسمرا في رحلة عملية وفنية طالبا تزويده بعدد من الأغنيات.

وكان السيوفي قد سافر إلى القاهرة وبعد عودته يقول صديقه محمود عبد القادر إن مأساته قد بدأت بعد أن دعى إلى الغناء في مناسبة خاصة وهناك اصطدم بموقف لم يحتملهة، فتمالك أعصابه، وانسحب بطريقة لا تلفت النظر، واتجه إلى السكة حديد الخرطوم، شارد الذهن، مغادراً ليلاً إلى كسلا عبر القطار، ومنها إلى إريتريا ولم يعد بعدها.

أما الناقد الراحل ميرغني البكري فقد حاء تعليقه في كتاب ( جسر الوجدان بين اليمن والسودان) للدكتور نزار غانم، يقول البكري إن السيوفي غادر السودان بسبب مشاكل عائلية تعرض لها.

بينما نُسب إلى أخيه عبد اللطيف السيوفي قول: إن التجاني غادر الخرطوم نتيجة لمواقفه الوطنية ضد المستعمر.

ومهما يكن من شيء فإنّ المطلوب هو إعادة كتابة سيرة هذا الفنان العظيم الذي يستحق تمثالا على نفس مقاييسه، وله مواقف تستحق أن تُستقصى في دول القرن الإفريقي التي اشتهر فيها السيوفي حتى يومنا هذا.

 

المصدر:خرطوم ستار/ نصر الدين عبد القادر

اترك رد

X
X