رائج
الفنان الراحل خضر بشير / موقع عين

خضر بشير …الصوفي المعذب

حينما يجتمع أهل التصوف وأهل الفن والفقراء المعدمون على شخصية – يدعي كل منهم أنها تنتمي إليه – فأعلم عزيزي القارئ أنّ هذه الشخصية هي شخصية الفنان والصوفي المعذب الراحل المقيم خضر بشير .نشأة الراحل في الخلوة جعلت منه رجلًا متديناً محبًا للنبي (ص) ومدحه، كما يظهر في أنشودته (الله جلّ جلاله) وغيرها من المدائح التي صدح بها، إضافة إلى بساطته وسماحة نفسه وتواضعه الغريب.

قبل أيام مرت ذكرى رحيله الثامنة عشرة عن عمرٍ يزيد عن التسعين عامًا وعطاءٍ مهما وُصف فهو أكثر وزيادة، لكن هذه لمحات من حياته المكتنزة بالجمال.

أنجبته مدينة شمبات في حدود العام ١٩١٠م لأسرة تنتمي إلى قبيلة المحس التي هي امتداد لحضارةٍ ضاربةٍ في عمق الزمن، يعتبر الغناء و الطرب من هويتها.

وحينما يتغنى خضر بشير كأنك ترى رجلا تجذبه السماء وتجره الأرض وتتقاطعه الاتجاهات وهو في قمة الانفعال الذي ينتج عن تشبع الروح بالموسيقى حد التدفق.

وفي لقاءٍ بتلفزيون السودان سئل عن سر هذا الانفعال، وكأنه أحس أنّ السؤال مفخخ بقول الناس الذين تهامسوا بجنونه، فرد على المذيع بسؤال ” لو الدلوكة حِمَت في الحفلة وقام زول دق رِجْلُه في الواطة لحدي شرط مركوبو مش بتقول الزول دا طربان،؟ بس دا البحصل لي”

الصوفي المعذب !

هذا العنوان هو عنوان لواحدة من أروع قصائد التجاني يوسف بشير، ويأتي هنا لتناسبه مع شخصية خضر بشير، الذي لا يفتر لسانه وقلبه عن الذكر ، ويرجع ذلك إلى اكتفائه في تعليمه بالخلوة، وهو ذا القرآن يلاحقه في فنه معتبرًا أنّ الغناء في حد ذاته عبادة ورسالة.

قام ذات مرة بالصعود فوق الشجرة أثناء أدائه لحفل غنائي تاركًا الأوركسترا هائمة في عزفها، وعندما سئل عن حقيقة الحادثة قال “يجوز أن ذلك حصل، لكن ما مستحضر”.

وهذه الحادثة تشير إلى حالات تنتاب المتصوفة أثناء الذكر فيحصل لهم ما يُسمى بالجذب، فلا يعرف المرء منهم ما فعل في حالته تلك، وخضر يأتيه الجذب أثناء الغناء ولو لا أن ثمة أشياء – يحسها من شاهد خضر بشير – تثبت أواصره لطار من فرط الإنفعال.

وجدتُ له تسجيلًا بتلفزيون السودان يذكر فيه هواياته، فقال : ” أهوى الطيور في ترنمها، وأهوى الزهور في تبسمها، وأهوى الطبيعة الحالمة”. والطبيعة الحالمة هي التي أنبتت هذه الروح الشفافة التي تصعب على الوصف.

محمد الأمين وخضر بشير !

والذي لا شك فيه هو أنّ خضر بشير واحد من الذين قفزوا بالأغنية السودانية من إطار الحقيبة إلى الآلات الوترية بصحبة العازفين، لذلك كان له تأثير على كثيرٍ من الفنانين، من بينهم الموسيقار محمد الأمين والفنان النور الجيلاني وصلاح ابن البادية وغيرهم.

يقول الباشكاتب عن خضر بشير في لقاءٍ له بقناة الشروق الفضائية: إنّ خضر بشير في المقام الأول (فنان)، وإنسان حبّوب، ويذكر من المواقف التي جمعته به عندما كان في بداياته الفنية، كانت هنالك حفلة بالمسرح، وضمن المغنين فيها خضر فتغنى بأغنية (كنتَ معاهُ هسة * ولع نار غرامي * ومشتاق ليهو لسة) وهي من كلمات محمد بشير عتيق.

يقول ود الأمين أنّه كان يحب هذه الأغنية جدا، فالتقى بخضر عند الباب المسرح وتلقاه بالأحضان، ثم صعد الباشكاتب المسرح فأدى أغنيته ونزل ليجد خضر في انتظاره ليتناوله بالأحضان قائلا له – كما ذكر الباشكاتب – ” إنتا زول فنان”.

وخضر بشير يعشق تراب السوادن لذلك كان ضد هجرة أي فنان، وعندما قضى محمد الأمين زمنا خارج البلاد وعاد وجد خضر بشير في مرضه الأخير الذي رفعه إلى سماوات الرحمن، فعاتبه على سفره وقال له ” إنتا مسافر مخلي البلد ليه، السياسيين ديل يوميا بجي منهم واحد جديد، لكن نحنا الفنانين ما بنتكرر”.

كانت هذه روح الصوفي المعذب، ومواقفه مع كل الفنانين الذين يحبونه ويطربون له، ومن الفنان الذين تأثروا به أيضا صلاح ابن البادية الذي ظهر إلى الجمهور بأغنية عبر إذاعة لندن بأغنية (الأوصفوك) ١٩٥٩م للراحل خضر بشير.

وهذه الأغنية بالرغم من إنها من أغاني الأربعينات إلا إنها ظلّت خالدة محفوظة في صدور السودانيين، فرددها في التسعينات الراحل محمود عبد العزيز.

وأغنية الأوصفوك التي لو لا أنّ كاتبها الشاعر المُحب محمد بشير عتيق لصنفت على أساس كونها موغلة في التصوف كما يقول د. عصمت محمد أستاذ الفلسفة بجامعة الخرطوم.

الأوصفوك بالنورِ أو بالنارِ
هم ما أنصفوك
كوكب مُنَزَّه في عُلوك
سحرك غريب وشخصك بعيد
او كان قريب
أنوارُه آخذة بدون سلوك
يُبرق سناك في غيهب الليل الحَلُوك
أظرف شمايل زاملوك وهم أكملوك
أدبك هبة … فيك موهبة
شكل الظبا وطبع الملوك

بعد صراع ومعاناة مع المرض صعدت روحه نحو السماء بعد ما يزيد عن التسعين عامًا في منزله بشمبات في  الثاني والعشرين من مارس ٢٠٠١م.

ألا رحم الله خضر بشير وأسكنه الفردوس الأعلى..

 

المصدر: خرطوم ستار/ نصر الدين عبد القادر

اترك رد

X
X