رائج
الفنان صلاح ابن البادية / VideoMoviles

صلاح ابن البادية بين عنجهية وردي و(سالَ من شعرِها الوَدَكْ)

ليس في الأمر عجبٌ إذا قلنا إن الفنان صلاح ابن البادية يسير في طريقٍ منفردةٍ في خارطةِ الأغنيةِ السودانية عبر تعاقب أجيالها ، ليضاف إلى قائمة العظماء الذين رسخت على أيديهم ملامح الفن السوداني.

اسمه الحقيقي صالح الجيلي محمد أبو قرون، ووالده من كبار شعراء القصائد الدينية مادحا ومنشدًا بصوت كأنه لسجع الحمام هديل، وللماء خرير، فتشرب ابنه هذه الروح مع صوت الطار والنوبة التي تئنُّ ثم ترنُّ في خلوة جده محمد أبو قرون، وترتيل القرآن، كل هذه الأصوات كانت إشارة على تشَكُّل روحٍ فنيةٍ تأسر الوجدان السوداني.

وُلِد في حدود العام ١٩٣٩م بقرية أم دوم، وبعد تسعة أعوام أي في العام ١٩٤٨م أهداه والده مذياعًا ليضرب موعدًا مع أساطين الغناء السوداني أمثال حسن عطية وسيد خليفة وإبراهيم عوض.

تزوج وعمره في حدود الثامنة عشرة من بنت خاله في العام ١٩٥٧ لينجب منها في العام التالي ابنته الكبرى شادية. وهنا لسنا بصدد التنقيب عن سيرة هذا الهرم الكبير – أمدَّ الله في عمره – لكنا بصدد موقفين في حياته رغم طرافتهما إلى أنهما شكلا شيئا كبيرًا في نفسه.

عنجهية وردي !

أجرى الصحفي المخضرم معاوية حسن يس صاحب كتاب (من تاريخ الغناء والموسيقى في السودان) مقابلة صحفية مع ابن البادية حين كان يعمل بصحيفة (المدينة المنورة) ١٩٨٣م، وقد خرج بمحصلة عظيمة عن حياة هذا الهرم العملاق.

خرج يس من هذا المقابلة بوجهة نظر ابن البادية في الفنان العملاق الراحل محمد وردي، فوجد أنّ صلاحًا كان يعتقد أنّ وردي لا يريد أن يكون هناك فنان غيره في الساحة الفنية السودانية.

لكن من المفارقات يقول يس:” إنّ رحلةً فنيةً إلى بيروت جمعت بين وردي وابن البادية في العام ١٩٦١م، وفي تلك الرحلة قام وردي بإهداء صديقه ابن البادية أغنية (أيامك)، وبعد يوم من عودتهما استمع وردي إلى الأغنية عبر المذياع ليبادر بالاتصال بزميله ابن البادية مهنئًا ليجسد روحًا عظيمة “.

وعندما سُئل ابن البادية عن سبب مشكلته مع وردي ذكر أن علاقته بوردي جيدة جدًا، غير أن الذي لا يعجبه في الفنان محمد وردي هو (عنجهيته)، لكن في الحقيقة أنّ وردي ظل يؤكد إعجابه بالقدرات الصوتية الكبير لابن البادية.

هذا الموقف البيروتي أصبح سنة من السنن النبيلة لفناني الجيل الثالث من جيل الأغنية السودانية فأهدى ابن البادية لزميله حمد الريّح أغنية (طير الرَّهَوْ) وهي من كلمات إسماعيل حسن.

وبالرغم من أنّ صلاحًا عند ظهوره كان منافسًا للكابلي وحمد الريح قريناه في تلك الفترة ألا أن العلاقة بينهم كانت غاية النبل وتُوجت بإهداء صلاح صديقه حمد الريح الأغنية المذكورة، وقوله عن الكابلي إنه أقدر المطربين على توصيل المعاني، التي يريد بها أن تصل إلى الوجدان.

سال من شعرها (الودك) !

تغنى ابن البادية برائعة الشاعر أبي آمنة حامد (سال من شعرها الذهب)، وكان يواجه بحملةٍ تستهدفه في صحف الخرطوم مفادها أنه على جهل باللغة العربية، فكتب أحد منتقديه في صحيفة الصحافة أن ابن البادية حوّل سال من شعرها (الذهب)، إلى سال من شعرها (الودك).

والودك شحمٌ من البهائم يصنع منه دهنٌ لغذاء الشعر، فيحميه من التقصف ويضفي عليه نعومة وسوادًا، ولا يسبب أعراضًا جانبية كحال المركبات الكيميائية.

ولقد عانى من هذا الأمر كثيرا، لكن وللحقيقة فإنّ ابن البادية كان جسورًا في مشروعه الفنى، وأبدع الغناء بالفصحى، فتغنى لأبي آمنة حامد مرةً أخرى بأغنية (وشوشني العبير)

ابن البادية والاشتراكية !

قرر الاشتغال بالعمل السياسي، فانتمى للاتحاد الاشتراكي السوداني منضويًا راية الرئيس نميري، وباشر بتكوين فرع للاتحاد الاشتراكي بدار المطربين السودانيين، بحسب موسوعة معاوية حسن يس.

والحديث عن هذا الرمز طويل متشعب وهذه ملامح من حياته مع أمل اللقاء مع عزيزي القاريء في حضرته مرةً أخرى للبحر في رحلته الفنية، لأنه أكثر فناني السودان تطريبًا مع الراحل سيد خليفة.

 

المصدر: خرطوم ستار/ نصر الدين عبد القادر

اترك رد

X
X