رائج
علي أحمد الرفاعي / خرطوم ستار

رجل الجن المجهول..أول سفير للثقافة السودانية

علي أحمد الرفاعي (رجل الجن المجهول) أول سفير للثقافة السودانية، سيرته ملحمة أسطورية، جديرة بالتنقيب والبحث لاكتشاف عوالمها الغرائبية ، لأنه مثل الكنوز التي جرفتها الرمال إلى أعماقها.

رجلٌ يبتعد عن الأضواء، ليتمكن من رؤية الأشياء وهي جلية واضحة، وهو يبرر لذلك بقوله: ” المرء حين ينظر إلى الأشياء تحت تأثير الشمس المتساقطة عليه لا يراها بوضوح “.

في التاسع من أغسطس من عام ١٩٤٨م، وإيقاع قاطرات السكة حديد تدوي، أنجبت مدينة عطبرة هذا الرجل الذي خلق من الكلمات أفقًا وعوالم للجن ، جعلته يفكر ويناقش  ويحاور.

كان والده أحمد الرفاعي أول سوداني يشغل منصب (باشكاتب) في مصلحة السكك الحديدية ١٩٣٨م، فتنقل الفتى بين كسلا ، والقرير ، وحنتوب ، ومروي ، ليدخل جامعة الخرطوم مبحرًا في آدابها.

في الثانية عشرة من عمره نظم أول قصيدة له بمناسبة زيارة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر للسودان في العام ١٩٦٠م، وهو طالب في المرحلة الأولية بمدرسة القرير.

في العام ٢٠١٦م جعل اسم السودان يعلو في زمن السقوط المر وهو يفوز بجائزة (كتارا) بروايته (جينات عائلة ميرو)، وهي الرواية التي كان أبطالها من الجن.

يقول الناقد عز الدين ميرغني عن هذه الرواية : إن الكتابة الإبداعية في عالم الجن من الصعوبة بمكان، خاصة وأن الروائي العالمي هيمينغواي يقدم نصيحة عظيمة: “لا تكتب عن موضوع لا تعرفه”، لكن الرفاعي اجتاز الأمر بنجاح حتى حسبته (فكي).

ويضيف ميرغني في الورقة التي قدمها خلال احتفاء (مؤسسة سودانيون للتنمية الثقافية) بتربال السرد السوداني علي الرفاعي: إن الأوروبيين لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذا العمل الخارق، لأنهم يمنطقون الأشياء دائما.

ورواية (جينات عائلة ميرو) تقدم للقارئ معلومات غاية الأهمية عن الجن وعوالمه، وفن السيرة الذاتية ، والحكاية ، وتقنية أدب الرحلات، فهي رواية معرفة ومتعة وخوف ، كما ذكر عز الدين ميرغني.

فاز بجائزة الطيب صالح للأبداع الروائي في الدورة الثانية والثالثة عن روايتيه (قبيلة من وراء خط الأفق) ٢٠٠٤م، و(كي لا يستيقظ الظل) ٢٠٠٥م، بمركز عبد الكريم ميرغني الثقافي.

فاز بالمرتبة الثانية في جائزة الطيب صالح العالمية التي ترعاها شركة زين في دروتها الرابعة ٢٠١٤م بروايته (شبابيك الوجه الآخر)، وبهذا يعد من صيادي الجوائز التي ما تنفك تراوده وتقول له: “هَيْتَ لَكْ”.

احتفت به ليلة أمس (مؤسسة سودانيون للتنمية الثقافية) في لوحة شكلها حضوره البسيط بالجلابية والشال، وتواضعه العظيم رغم سلطانه المعرفي، الذي يقر له به دهاقنة الأدب.

مؤسسة سودانيون للتنمية الثقافية تحتفي بالرفاعي / خرطوم ستار

ومن المحطات الطريفة في حياة الرفاعي ما ذكره عن نفسه في علاقته بالجن، حيث كانت في منطقة القرير طاحونة انتشر أمرها بين الناس بأنها مسكونة بالجن، فكتب خطابًا لهم ورماه داخل الطاحونة يطلب منهم التعاون وهو في سنته الثانية عشرة.

وبعد سنوات طويلة جاءه صديقه يسأله:” يا علي بقبت تخاطب الجن؟” “كيف؟” “لقينا ليك خطاب في الطاحونة المسكونة بتطلب منهم التعاون المتبادل”. وبعد ضحكة قال:” لي هسة ما ردوا علي؟”، لكن ظني أنهم بدأوا مباشرة بالتعاون.

ويقول الرفاعي إنّ أعظم رواياته بالنسبة إليه وأعمقها هي رواية (الشمس تغيب إلى أعلى) حيث كتبها في ستة وعشرين عامًا، لكن الحظوة كانت للرواية الفائزة بكتارا.

وخلال كلمتها أعلنت الأمين العام للمؤسسة الشاعرة روضة الحاج عن تكريم من نوع مختلف وهو منح عباقرة الثقافة السودانية لقب (سفير الثقافة السودانية) ليصبح علي الرفاعي أول رجل ينال هذا اللقب.

ولأن الخرطوم بالنسبة لأديبنا العظيم بلد مسكونة ، فهو لا يستطيع النوم فيها إلا في وقت متأخر ، ولذا فهو لا يحبها، ولا يحب أن يطيل بها الإقامة، ومثله كثيرون . لذلك أفصحت روضة الحاج عن إقامة أول ملتقًى لأدباء الولايات قريبًا.

أما الوزير الأسبق والأمين العام لمجمع اللغة العربية السابق صديق المجتبى فقال في شهادته عن الرفاعي، إنه وجد الرفاعي كنزًا يحتاج إلى منقبين للفكر والقراءة العميقة والمتأملة في التراث، لأنه كنز لم يكتشف بعد.

رحلة الرفاعي العملية أيضا حافلة، فعمل مدرسا بمدينة (سرت) الليبية، ومشرفا إداريا ومترجما بمعسكر غابة (غرابة)، وكاتبا ومترجما بقوة دفاع أبو ظبي بدولة الإمارات، ليعود إلى مكان النشأة (القُرير) ليصبح مزارعا، في طبيعة ساحرة تتيح له جوا مثاليا للكتابة.

آخر رواياته والتي أهدى منها نسخة لـ(خرطوم ستار) هي رواية (لوغريثمات العنكبوت).

 

 

المصدر: خرطوم ستار / نصر الدين عبد القادر

 

اترك رد

X
X