رائج
مجموعة بيت الشعر إلى جانب الشاعر الكبير عبد الله شابو / مصدر الصورة : خرطوم ستار

بيت الشعر في منزل شابو

في لفتةٍ بديعة ساحرة، وربما هي المرةُ الأولى أن يمضي عدد من الشعراء بأعمارٍ وتجارب متفاوتة العشرينيين والثلاثينيين وحتى أهل الأربعين لزيارة شاعر من الرواد يتلو عليهم ويتلون عليه الشعر بمحبة.

عبدالله موسى إبراهيم (عبد الله شابو) وصفه الشاعر محمد المكي إبراهيم بعميد شعراء السودان، وهو ما ذهب إليه كثير من الشعراء والنقاد..!

من مؤسسي جماعة (أبادماك) الثقافية، و(أبادماك) من الآلهة القديمة التي كان يعبدها السودانيون في فترات ما قبل الرسالات، وكان في بدايته شاعرًا يساريًا ثم ترك السياسة وتفرغ للشعر والأدب.

أنجبته مدينة الكوة على ساحل النيل الأبيض ١٩٣٧م، ثم درس بالخرطوم ومصر وأميركا، وقد أجاد الإنكليزية والإسبانية التي أحبها حين أحب الشاعر الإسباني فديريكو غارثيا لوركا وقد ترجم لوركا إلى العربية.

له من الدواوين (حاطب ليل، أزمنة الشاعر الثلاثة، وأغنية لإنسان القرن الحادي والعشرين)

هكذا يمم بيت الشعر الخرطوم وجهه شطر منزل الشاعر الكبير (عبد الله شابو) في كوكبة من الشعراء، يتقدمهم مدير بيت الشعر الدكتور الصديق عمر الصديق.

بابتسامته التي لا تفارق شفتيه كان شامخًا يستقبل ضيوفه، وهو الذي يقول:

وأنا انحنينا قليلا

لتمضي الرياح إلى حتفها

وأنا سقطنا سقوطا نبيلا

الشاعر متوكل زروق / مصد الصورة : خرطوم ستار

وعلى أرائك معتقةٍ بالشعر، جلس الشعراء في صالون شابو، لينبري مدير بيت الشعر لإدارة جلستهم، فقدم ابن بُرام الشاعر متوكل زروق الذي يملأ قلوب المستعين إليه دهشة بسودانويته المعتقة، فقرأ:

والذي فوقَ حُلمِكَ ليس سوى أنتَ،

فامشِ عليكَ

فلمْ يَبقَ إلا حُطامٌ من اليائسينَ

وبعضُ الذينَ انطلتْ خدعةٌ _ ما _ عليهمْ

فلاسفةٌ في الكلامِ ولا يَفعلونْ

وآلهةٌ هشّةٌ في التَّسامي

وإن أظلمتْ يركعُونْ

بهمْ رعشةٌ لا تُسلِّمْ عليهِم فقد يفزعونْ

وكالهمسِ سر بينهمْ إنَّهم سكتةٌ فجّةٌ

إنَّما في حرائقهِم يصرخُونْ

ولا تتَّخذهم رفاقاً

فما لك في رفقةِ الحربِ منهم ولا يحزنون.

جاء بعد المكي الشاعر الذي تنبأ له الكثيرون بقبس الشعر، وقد حمله شعلةً مضيئة بالرغم من صغر سنه، الشاعر أحمد عثمان البشير (اليمني):

لِمن هَمَّهُ أمري ومَن لا يَهُمُّهُ

لآخرِ ذِي لِيلٍ يواسِيهِ وهمُهُ

لصَدرٍ حَزِينِ البردِ يشعِلُ جذوةً

مِنَ الغَدِ عَلَّ الأمسَ يومَاً يضُمُّهُ

لبنتٍ لأوراقِي تُسِرُّ بِعِشقِها

فتسألُ كَفَّاهَا البدايةَ: ما اسمُهُ؟

تروحُ وما زالت على قيدِ صفحة

خيالاتُها العذراءُ إذْ ماجَ نظمُهُ

لكُلِّ قصيدِيٍّ ضئيلٍ وعاؤُهُ

بِرُوحٍ بِحجمِ المُستَحِيلاتِ حجمُهُ

أُشَكِّلُ هيئاتي ورمزَ حقيقتي

وأنحِتُ عنواناً لهم لانَ فَهمُهُ

الشاعر عبد الرحمن الفاتح / مصدر الصورة: خرطوم ستار

ليأتي بعد اليمني الشاعر صائد الجوائز وهو الفائز بمسابقة شركة سوداني للإتصالات في مجال الشعر عبد الرحمن الفاتح صاحب الأفكار الشعرية الطريفة والجادة في آنٍ واحدٍ:

قليلونَ

من يحملونَ الغرامَ بأكملِهِ باجتهادِ

قليلونَ

من يعشقونَ البلادَ بحُرقَتِها

في بلادي

قليلونَ

كالشمسِ في واقعٍ كالسَّوادِ

قليلون هُم

يشربون همومهُمُ

يأكلون المواجعَ (أكلَ الزبادي)

على دمعِ أعيننا كالأيادي

علي جرحِ سوداننا كالضّمادِ

أنتَ منهم

أيا كلَّ مخزونِنا من أماني -عقودٍ ثلاثٍ شِدادِ-

ومن شباب بيت الشعر تقدم الشاعر عمار حسن ليتلو من شعره:

اليك إمتطيتُ الماء قبل اليابسه

ونقّيتُ من وحي القصيد نفائسه

وأشعلتُ من جسمي الشموس لأرتقي

فأكشفُ عن ليل الفراق دسائسه

وجدت فراش الحب فخ وتحته

حقود على النيران يغلي فرائسه

أما الشاعر والناقد والباحث والقارئ المطلع على التراث الأدبي شرقه وغربه جديده وقديمه عبد الماجد محمد حسن فقرأ من قصيدته “ثلجية الإبراق” :

جسدٌ على سقْف الهواءِ مُعلقٌ

فلتنْفُثي بالحـبّ والإحياءِ

هذا أنا قد كنتُ قبلاً ميّتاً

لما التقيتكِ صرتُ فصلَ بقائي

روحانِ نحن ولم يزلْ بطريقنا

حبٌّ يلوّحُ بوركتْ آلائي

ولأن البيت كان من أهدافه إبراز أصوات شابة لم تجد حظها من المنابر، قدم د. الصديق الشاعر الشاب والطالب بكلية الآداب جامعة الخرطوم عبد الرحمن موسى أحمد الذي كان رائعا وهو يترنم بقوله:

على وترِ الأكفان ما زال يعزفُ

لنبض حضورٍ في غيابك يرجفُ

وما أهلك الأنفاسَ إلا عطورهم

سوى أنّ هذا العطر أصبح يقذف

فيا عجبا دنيا عليها سحابة

من العطر تدوي ساعة ثم تقصف

الشاعر عبد الله شابو / مصدر الصورة: خرطوم ستار

قصيدة “نشوةُ المَدى”  للشاعر محمد الخير إكليل كانت مسك الختام قبل الاستراحة في حضرة صاحب الدار، وملفت الأنظار عبد الله شابو:

حِيَالَ خافقٍ تمَلكتْهُ

بَصمَةُ الحُضُورِ أرهَقته نشوةُ المَدَى

كأننِي أغُوصُ فِي مَنَابعِ الجَمَالِ

حِينمَا استَجمّ  مَدُّ لهفتِي بمُقلتيكِ

آنَ فَجركِ النَّجِيّ حَفّزَ الوئامَ إذْ بَدا

شِعارِيَ  الهَوَى يَجئُ  تحتَ أنبلِ الرجَاءِ

وَاسشتِغاثتي تمُورُ بالتِي

تجيدُ رَسمَ مُشرِقِ الندا

توَسُّلي يَصُوغُ فوْرَةَ المُنَى

وَيَشرَحُ المُلابَسَاتِ بَعدَ أن

كواهُ لافِحُ المآلِ والصَّدى

كل شهر زيارة لشاعر رائد..!

قُبيل أن يغرد شابو بقصائده المحلقة أفصح مدير بيت الشعر عن سُنة سيتبعها البيت مقبل الأيام، وهي أنْ يزور البيت كل شهر شاعرًا من الرواد، لتعزيز روح التواصل والمحبة بين الأجيال.

أما شابو فقد كان سعيدًا حد دموع الغبطة، ومن ديوانه ” أغنية لإنسان القرن الحادي والعشرين” قرأ:

لو كان الحَزنُ دموعْ

لو أنّا بالعيِن نُحسْ

ما يبستْ في شَفةِ الشعرِ الغُنوة

لو كان الحزُن يشم

نَزَفت رئتاي الدّمْ

وطلعتُ عليكم

جمرُ الحُرقة يشوي كَفيّ

لكني أخجل أن تفضحني أَنّة

والدربُ طويل

والصبرُ على المكروهِ سلامة

أن نُضرب في الرمضاءِ ولا نكبو

أن نُشرقَ بالآلام ولا نَعبس

الكلمة يوقفها في شَفَتي مَحضُ حياء

يوقفها لو شئتم محضُ رياء

والشكوى أجهلها

لا تعرفني

ماذا يُرجى يا أحباب

شيخي قال الحب ثمين

والبهجةُ في رشفِ الشَّفةِ السفلى

في آنسةٍ صالحةٍ لا تعرفُ وجَه النومِ ولا تَكْرىَ

في كأسٍ تَمزِجُها هيفاءُ القَدْ

في الصمتِ المطبقِ

في الصمتْ

 

المصدر : خرطوم ستار/ نصر الدين عبد القادر

اترك رد

X
X