رائج

فطور الجمعة..موائد سودانية تحكي التنوع الثقافي

التعدد القبلي والإثني الذي يزخر به السودان أفضى إلي تعدد في المنتوج الثقافي والإجتماعي، وإنعكس ذلك في نواحي الحياة المختلفة، ومن ذلك الموائد السودانية

ويبرز للعيان التنوع في الثقافة الغذائية للمجموعات المكونة للمجتمع السوداني.

بالرغم من بعض أشكال التماذج التي بدأت بالظهور بشكل كبير، وذلك بوجود سودان مصغر في العاصمة الخرطوم.

 هذا الوجود الذي يمثل الإنصهار الثقافي بأجمل أشكاله، مع إحتفاظ كل مكون بنكهته الخاصة.

إرتبط إبراز الجانب الخاص بالثقافة الغذائية للمجموعات المختلفة في السودان بيوم الجمعه، فبالاضافة لخصوصية اليوم الدينية، فلليوم خصوصية إجتماعية من العيار الثقيل.

تحاول كل أسرة في هذا اليوم عكس الموروث الغذائي التي تشتهر به مختلف المناطق، وذلك للمحافظة عليه وأيضاً محاولة للمحافظة على إستمراره من خلال تمريره للأجيال اللاحقة.

ومؤخراً استمد اليوم أهمية إضافية بإعتبار أنه اليوم الوحيد تقريباً الذي تجتمع فيه الأسره، سواء كانت الصغيره، أو الممتدة .

وإذدادت الأهمية بالإحساس المتنامي لدى الأسر بأن الفجوه الإجتماعية بين أفرادها في إذدياد، نسبة للظروف الإقتصادية السيئة التي تمر بها البلاد، وفاقمت أزمة المواصلات الموقف.

جعلت هذه الظروف أغلب أفراد الأسرة في سعي دؤوب خلف “لقمة العيش”، والتركيز على مجابهة الظروف الطاحنة.

استعاضت الأسر السودانية؛ بل أصبحت بعض الأسر تؤكد على ضرورة المحافظة على طقس “فطور الجمعة” ، وتؤكد على أفرادها بأهمية الإجتماع ليوم واحد على الأقل.

يبدأ الاستعداد لليوم من قبل السيدات، في الصباح الباكر، فتقوم كل سيدة بتجهيز ما يلزمها لعملية الطبخ، وإحضار المواد، من المحال المتخصصة أو الأشخاص الذين يقومون ببيعها، وذلك لأن أغلب الأصناف كما ذكرنا هي اصناف بلدية لا تتوفر في كل المحال.

ثراء في المنتوج الغذائي:

أفادنا الدكتور عبد الله الطيب بمعلومات قيمة حول تاريخ أنواع الأكلات الشعبية في السودان، في كتابه ” العادات المتغيرة في السودان”.

فهو يقول إن الطبيخ أي المُلاح (الإدام) الذي يصنع من الخضروات كالبطاطس والفاصوليا لم يعرف في السودان إلا في ظل الحكم التركي المصري، وكذلك العدس والفول المصري.

وإن الكسرة والعصيدة هي الأكلات الشعبية التي كانت سائدة قبل ذلك في السودان الشمالي، ومصداقاً لذلك أننا لا نجد بكتاب “الطبقات” لود ضيف والذي أُلِف في عهد مملكة سنار أي إشارة إلى أي نوع من الطبيخ.

ونجد أن قبائل الشمال، النوبيون تحديداً اشتهروا بالتركين” أو “الملوحة “، وهو عبارة عن سمك يدفن تحت الأرض لمدّة محدّدة، بعد أن توضع عليه كميات كبيرة من الملح حتى يتعفّن، ويطهى بطرق مختلفة على النار، ويؤكل بـ “القراصة”.

و”القراصة” هي القاسم المشترك بين قبائل الشمال، بإختلاف “الملاح” الذي تؤكل معه، وهي عجين من القمح يُخبز بشكل دائري على الصاج .

وجبة الملوحة أو التركين / مصدر الصورة: منتديات سودانية

وإشتهرت بقية قبائل الشمال بوجبة “القراصة بالدمعة “، والتي تصنع من لحم الضأن أو البقر، ومؤخراً أصبح البعض يقوم بطبخها بإستخدام الدجاج.

قراصة بالدمعة / مصدر الصورة: موسوعة الطبخ

وفي بلدات وقرى الوسط نجد “الويكاب”، وهو عبارة عن رماد القصب المحروق، ينقع في الماء مع اللبن، وتضاف إليه البامياء المجفّفة والمطحونة.

ويؤكل “الويكاب” بالكسرة أو العصيدة، و”العصيدة” عبارة عن ماء وذرة يخبزان على النار حتى يتماسكا.

و” الكِسرة ” تطلق أحيانا لكل من الكِسرة والعصيدة، فاذا أرادوا التمييز قالوا كسرة رهيفة أو كسرة خمير، والكسرة تُعاس بـ”القرقريبة” على صاج العواسة أو الدوكة.

ونجد في غرب السودان طبق “الكَول”، وهو عبارة عن نبتة تنمو في فصل الخريف، وتقطف أوارقها ثم تطحن وتوضع في قارورة كبيرة من فخار، تدفن في الأرض لمدّة شهر حتى تتعفّن، ومن ثم يتمّ طبخها على النار، وتؤكل بـ “العصيدة”.

نبات الكول، المكون الأساسي لملاح الكول / مصدر الصورة: مدونة صالح عبدالقادر

وتشتهر مناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق بطبق شعبي اسمه “الكجيجك”، والذي أيضاً تشتهر به بعض المناطق في دولة جنوب السودان وجنوب أفريقيا.

 وهو عبارة عن سمك رفيع يتم تشبيكه في شكل ضفائر إلى أن يجفّ في العراء، ومن ثمّ يتمّ طحنه وطبخه بالصلصة والبصل ويضاف إلى العصيدة.

طريقة صنع الكجيك / منتديات مدينة سنجا

ويرى الخبير في التراث السوداني، محمد طه القدال، أنّ الأكل يعتبر جزءاً من الهوية، فضلاً عما يصحبه من زراعة وحصاد وتجفيف وتعليب.

 مؤكّداً أن تلك الثقافة تعكس تنوع وثراء بيئة أي منطقة، ويضيف: “في الشمال، تنتشر “القراصة” لأنّ القمح يزرع هناك، وفي الجزيرة “أي الوسط”، نجد “العصيدة والكسرة”، لأنّ الذرة تُزرع أكثر من القمح هناك”.

نكهة خاصة:

تواصل السيدة السودانية مسيرة الكفاح من أجل المحافظة على التراث السوداني الثر، وهذه الموائد التي تلاقى المرأه فيها بعض المشقة لصعوبة إعدادها؛ تحضرها بكل تفاني وإنشراحة صدر، واثقة أن ورائها تكمن النكهة الخاصة للأسرة.

 

المصدر: خرطوم ستار / إسراء عثمان.

اترك رد

X
X