رائج
جانب من الندوة / مصدر الصورة: نجمة الخرطوم

الأصل السوداني للحضارات

تقول جملةٌ مشهورة ينسبها كثيرون إلى الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي: ” لا يعرف الإنسان أين يقصد، ما لم يعرف من أين أتى”، وهذا يقودنا مباشرة إلى الحديث عن أصل الحضارة الإنسانية والتي حولها جدلٌ كبير وتاريخ إفريقيا والسودان.

ويتجلى الأمر من خلال مناقشة كتاب (الأصل الإفريقي للحضارة ـ أُسطورة أم حقيقة) لمؤلفه المؤرخ السنغالي أنتا ديوب في نادي الكتاب الذي تقيمه مكتبة جامعة الخرطوم شهريًا.

قدمت الكتاب البروفيسور وعالمة الآثار انتصار صغيرون صباحية هذا اليوم بقاعة السودان بالمكتبة، وتناولت اُطروحات المؤلف التي تقول إنّ الحضارة الكونية إفريقيًا في الأساس، بل ذهب إلى أنّ الحضارة في مصر شادها السود، مستشهدًا بكثيرٍ من الدلائل المادية والأثرية.

تحدث الكتاب عن أبي الهول وشكله الإفريقي وأنفه الأفطس الذي تم كسره لطمس الإفريقانية من ملامحه، والإله الصقر، وابن آوى وكلها سوداء، بل ذهب إلى أنَّ إله الخصب (أوزريس) كان أسودًا، وأشار إلى أنّ موحد القطرين مينا كان أسودًا، وأنّ بلاد الرافدين ملوكها كانوا أفارقة، وأحد ملوكهم يظهر بملامح زنجية.

وتشير بروف صغيرون إلى ترجمة الكتاب من الإنجليزية التي تُرجم إليها من الفرنسية هذه اللفة ربما صاحبها بُعدٌ عن الأصل، وتضيف أنّ الكتاب يحتاج إلى كثيرٍ من التدبر والتفكر لعظمته بالرغم من البعد المغالطات التي وردت في بعضه.

المناخ السياسي للكتاب..!

في أول ابتدار للنقاش كان التساؤل من قبل الحضور عن المناخ السياسي والاجتماعي  الذي جعل المؤلف يقوم بهذا التأليف؟ ثم يشير المتحدث إلى أنّ المناخ في ذلك الوقت فيه تشكل للوحدة الإفريقية أو الأممية الإفريقية (البانا أفريكانيزم) وروادها نيكروما وسينكارا وسينغور، وتيار الزنوَجة، وأشار المتحدث إلى أنّ الوجود الإفريقي ليس في إفريقيا وحسب وإنما في الكاريبي وأمريكا.

وهذا الاتجاه الذي سلكه محمد أزرق سعيد من دار الوثائق القومية في مداخلته مضيفًا أنّ الوجود الإفريقي في أمريكا سبق الاكتشافات الأوروبية التي قام بها كريستوفر كُمبس. بينما يضيف مداخل آخر أنّ الأفريقانية تشمل السودان وجنوب الجزيرة العربية وجنوب الهند (أرض البنجاب).

ويقول السنغالي تجاني سيس ما يؤكد أنّ أفريقيا أصل الحضارة وأصل الإنسان الدراسات العلمية والطبية حيث وجدوا أنّ فصيلة الدم الغالبة عند الأفارقة هي الفصيلة (O)  ، وهذه الفصيلة هي أم الفصائل، أمّا اللون الأبيض فجاء نتاج للهجرة إلى المناخ في المناطق الباردة.

ويضيف سيس  أنّ السودان كان يمكن أن يقود إفريقيا إلى فضاءات كبيرة مشيرًا إلى قول مؤسس الاتحاد الإفريقي ليوبولد سيدار سينغور  الذي قال ” كنا نريد أن نقدم السودان، لكنه أبى إلا أن يكون ذيلًا للعرب”.

بينما نادت حياة عبد الله الأستاذة بجامعة أمدرمان الإسلامية إلى بضرورة رفع الصوت بأن السودان هو أصل الحضارة، مشيرةً إلى قوم عاد حسب البحوث الآثارية جاءوا من كردفان عبورًا للصحراء، لتقول إنّ فترة الاستعمار حاول فيها الرجل الأبيض طمس الأشياء، لكن جامعات عالمية مثل هارفارد تثبت اليوم أنّ الحضارة السودانية يمكن أن تكون أصل الحضارات.

وفي مداخلات أخرى تحسر أصحابها على عدم اهتمامنا بتاريخنا وحضارتنا في أفريقيا بالرغم من أنّ الكاتب السنغالي أنتا ديوب طالب قبل خمسين عاماً بمؤتمر عالمي للغة المروية، لذلك يجب أن تعاد كتابة التاريخ، ووضع منهج لعلم السودانيات كما أن هناك علم المصريات، بينما طالب آخرون بكتابة موسوعة تاريخ السودان.

وأشار بروفيسور عبد الله حمدنا الله إلى أن الكاتب اتبع منهج النفي والإثبات في كتابه، وهذا المنهج ليس سليمًا مئة بالمئة، والأسلم اتباع منهج الاكتشافات الآثارية. وهنا نقول إنّ للبروف إنّ الاكتشافات الآثارية الحديثة ذهبت إلى أبعد مما ذهب إليه، إذْ تقول إنّ علم الميكانيكا والمعمار خرجا من صلب الحضارة الكوشية.

علاقة العروبة بالاسلام..!

ذكرت بروف صغيرون في ختام حديثها أنّ البعض يربط بين الإسلام والعروبة وهو ما ليس صحيحًا لأنّ الإسلام جاء للناس كافة، مشيرة إلى أنّ المقابر الإسلامية في السودان ليس لها علاقة بالإسلام بل هي أقرب إلى العادات الكوشية القديمة، وبالتالي فينبغي أنْ يخرج الناس منّ جدهم العباس أو أنهم عرب، وأضافت أنّ الجرتق موجود في الآثار القديمة حيث وجدت نقوش في ختم صغير فيها العروسين ملكة وملكة يجلسان على عنقريب بنفس الطقوس الموجودة اليوم.

 لتؤكد أنّ الموجود في الحياة السودانية اليوم قديم قدم الحضارة السودانية وليس علاقة بالوافدين العرب، وتأثيرهم ليس كبيرًا في العادات والتقاليد.

المصدر:

نجمة الخرطوم – نصر الدين عبد القادر

اترك رد

X
X