رائج
الكاتب السوداني الطيب صالح - مصدر الصورة: العربي الجديد

عبقرية الطيب صالح .. موسم الهجرة إلى الشمال والبحث عن الهوية

 أثبت الطيب صالح لكل العالم أنه من أهم كتاب الرواية على الإطلاق عربيا وعالميا فهنيئا للسودان بولدها العبقري، وهنيئا لمن يتحدثون لغته ويفاخرون بعبقرتيه.

أعترف أنه قد تغير فهمي ونظرتي لرواية موسم الهجرة إلى الشمال كثيرا منذ قرأتها وأنا مراهق، وبعد خمس قراءات متوالية في فترات عمرية مختلفة امتدت على مدار الثلاثين سنة الماضية، ولا أبالغ إن قلت أنني أحفظ الكثير من صفحات تلك الرواية عن ظهر قلب، إلا أن الشعور الوحيد الذي لم يتغير بشكل خاص وهو ما جعلني أكتب هذه الأسطر متأخرا عمن سبقوني بكثير، هو الشعور بالاغتراب.

وأن شخصية مصطفى سعيد في رواية موسم الهجرة إلى الشمال تمثلني وكثيرين من أبناء جيلي والأجيال اللاحقة ممن عانوا الويلات بسبب الاستعمار وما تبعه من مطبات كلما نجونا من واحد تبعنا آخر كأنه قدر الشعوب العربية أن ترزح دائما تحت وطأة الظلم والاستبداد الذي خلفه ذلك الاستعمار، ولا نعرف إلى أين سينتهي بنا المطاف.

استطاع العبقري الطيب صالح ودون منازع أن يترجم شخصيات ومشاعر أجيال من شتى بقاع الأرض، كما استطاع بحسه المرهف وخياله الواسع أن يخلق شخصيات من العدم ويجبلها بآهات المظلومين في كل مكان وزمان، ثم استطاع أن يجعل من شخصياته خالدة من خلال مناجاتها لضمير كل إنسان يبحث في أعماقه عن هويته، بالفعل لقد جسد في شخصيات روايته معنى الاغتراب الحقيقي، فكلما قرأتها اكتشفت شيئا من قبيل البحث عن الهوية، وكل ما يرافق ذلك الطريق الشائك من أمل وتشاؤم ويأس وعدم الثقة بالنفس أو بمن حولها.

كلها ويلات جرها علينا أشخاص ودول كنا نعبدهم ومازلنا نعبدهم ونعشق أن نتعلم كيف نعيش مثلهم، هي متلازمة الاغتراب كما وصفها علماء الاجتماع، واحتاجوا أبحاثا وسنين لاكتشاف معنى الاغتراب، بينما نجد في موسم الهجرة إلى الشمال كل تلك المفاهيم يسردها الطيب على ألسنة شخصياته دون تكلف أو عناء، وجملة القول إن رواية موسم الهجرة إلى الشمال صنعت في نفسي محاكاة للخيال لم يستطع من حازوا على جائزة نوبل منحي إياها.

على الرغم من سماعي الكثير من النقد السلبي حولها واللغط الذي يدور وراء كواليس قرائها، ولا أراه سوى حالة صحية تثبت أن شخصيات الطيب صالح اقتربت من الحقيقة لدرجة أنها راحت تزعج الكثير من المتشددين والمنادين بالالتزام بالكتابة المهذبة والابتعاد عن الإباحية أو الكلام الفاحش، متجاهلين بذلك أن الكاتب اختار لشخصياته بعض العبث والابتعاد عن الواقع ليترك للقارئ اكتشاف الحقيقة بنفسه، وهذا لا يعيب الرواية في شيء.

وأقول لكل من سمع عن الطيب صالح رأيا سلبيا أو غير حيادي فليذهب لقراءة هذا العبقري أولا واستكشاف الحقيقة بنفسه، إذا رغب فعلا بمعرفة عظمة حضارة السودان وشعبها فليذهب لاستكشافها من خلال ذلك العبقري الطيب صالح، فإن العمل الروائي الذي يترجم إلى أكثر من لغة عالمية ويطبع منه آلاف النسخ سنويا، لا بد وأنه يملك طاقة خفية داخل شخصياته تسمو إلى أن تصبح شخصيات خالدة صالحة لكل مكان وزمان، وأقتبس العبارة التالية من موسم الهجرة إلى الشمال دليلاً “نحن بمقاييس العالم الصناعي الأوروبي، فلاحون فقراء، ولكنني حين أعانق جدي أحس بالغنى، كأنني نغمة من دقات قلب الكون نفسه” انتهى الاقتباس.

وأزعم لو أُتيح لي أن أملك زمام القرار لجائزة نوبل لمنحت الطيب صالح جائزة نوبل في الآداب لأنه عاش ومات لأجل قضية اكتشاف الهوية والبعد الآخر للإنسان، وأثبت لكل العالم في حياته ومماته أنه من أهم كتاب الرواية على الإطلاق عربيا وعالميا فهنيئا للسودان بولدها العبقري، وهنيئا لنا أن نكون ممن يتحدثون لغته ويفاخرون بعبقرتيه الفذة، ولا أجد حرجا أن أشبهه بأينشتاين، فذاك عبقري أبدع في محاكاة المادة من حوله والطيب صالح عبقري، أبدع في محاكاة الإنسان بكل لغاته ومن لديه اعتراض سأحترم رأيه، لكن عليه أولا أن يقدم أدلته بكل لغات الدول التي ترجمت أعمال الطيب صالح الأدبية، وعليه أن يثبت أنه ليس عبقريا.

أنور ابراهيم الحسن

المصدر: الجزيرة

اترك رد

X
X